آخر تحديث بتاريخ الاثنين 05/12/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي
العدد كـPDF
تصنيف حسب العدد

دخــول الإســلام السياســي فــي نفـق مظلــم!

ثلاثاء, 12/09/2017

عندما جرى التدخل السوفييتي في افغانستان 1979 صفقت واشنطن مهللة للحدث الذي اعتبرته الوسيلة الناجعة للوصول إلى ماتريد الوصول اليه .
كان هناك تيار قوي داخل ادارة الرئيس جيمي كارتر 1976_1980 بزعامة مستشاره للامن القومي زينغو ريجينسكي يرى أن السوفييت قد جاؤوا إلى حتفهم حيث الملعب هنا ذا خصوصية يمكن استثمارها امريكيا فقط بمساعدة حلفاء أمريكا الإقليميين لاعتبارات "ايمانية" صرفة، وعليه فقد قامت نظرية (الافغان العرب) على إدارة وتنظيم أمريكيين وتمويل وفتاوى سعوديين تغرز أصابعها في مجتمعات عربية لاتزال تعيش مرحلة القرووسطية فيما النهج المعتمد في تلك النظرية هو الجهادية السلفية الوليدة في رحم الاسلام السياسي و عمقه الأكبر الإخوان المسلمين .

ولد تنظيم القاعدة على يد أسامة بن لادن العام 1986 بإشراف وتنظيم أمريكي حتى إن واشنطن كانت تغوص في أدق التفاصيل داخل التنظيم فهي (مثلا) دعمت بن لادن في مواجهة عبدالله عزام شريكه في الفكرة ولا يبدو أن أيدي السي اي ايه بعيدة عن تصفية هذا الأخير الذي قتل بتفجير سيارته في بيشاور باكستان 1987، وعبر القاعدة استطاعت واشنطن أن تدير صراعها مع الاتحاد السوفييتي فولدت حركة طالبان التي تعتبر إسقاطاً للقاعدة على الحالة الافغانية، كانت تلك الحركة تعبر عن حالة احتياج أمريكية تهدف إلى حماية انابيب النفط المارة بافغانستان عبر حلفاء محليين بدلا من التكاليف الباهظة التي تستدعيها عملية حماية تلك الانابيب بجنود أمريكان أو عائدين للناتو، كانت الأصابع الأمريكية واضحة أيضا في الحركة سابقة الذكر التي لم تستغرق من ولادتها 1994 إلى وصولها للسلطة في كابول 1996 أكثر من سنتين، إلا أن ذلك لم يكن يعني أن الوليدان (القاعدة وطالبان) سوف يظلان رهنا للإدارة الأمريكية لهما فقد بدأت مشاغبات الاثنان بدءا من هزيمة السوفييت في أفغانستان 1989 ثم تتالت صعودا إلى ضرب أمريكا في عقر دارها في أيلول 2001 .
دعم الأمريكان أسامة بن لادن الداعي إلى إقامة إمارة إسلامية واحدة ومن ثم تحصينها على أن تعتبر نقطة انطلاق لتوسيع تلك الإمارة او لإنشاء إمارات أخرى في مواجهة عبدالله عزام الداعي الى تفجير الوضع في البلاد الاسلامية برمته وصولا إلى إقامة الخلافة الإسلامية التي أعلن كمال اتاتورك عن نهايتها في العام 1923 ليجدوا أنفسهم مابعد أيلول في مواجهة الاثنين إلا أن ذلك لم يمنع أيضا من الوقوع في الحفرة لمرة أو لمرات عديدة فقد شكل غزو العراق 2003 مفرخة خصبة للإرهاب نجم عنها تنظيم الدولة الاسلامية في العراق (والشام فيما بعد) على يد أبي مصعب الزرقاوي وهناك العديد ممن يقولون انه لولا سجن "بوكا" الذي أقامه الأمريكان في العراق لما كان هناك داعش الذي خبا نوره في أعقاب مقتل زعيمه ومؤسسه في العام 2006 .
كانت ولادة داعش نجاحاً أمريكياً نوعيا في إدارة دفة التحولات الجارية داخل الإسلام السياسي وتيار الجهادية الاسلامية فمن الناحية الايديولوجية كان تنظيم القاعدة يرى أن أولوية الجهاد هي ضد "الكفار" الأصليين (الغرب والأمريكان) في حين أن داعش كان يرى أن أولوية الجهاد يجب أن تكون ضد "كفار" الداخل (الأقليات الإسلامية) التي تشكل خطرا على الإسلام اكبر بكثير من الخطر الذي يمثله الغرب والأمريكان وفي الممارسة أو إسقاط الايديولوجيا على السلوك السياسي اعتمد داعش على استراتيجيا محددة هي انه لا يخوض حروبه خارج المناطق التي يتواجد فيها: سوريا والعراق كان ذلك على مدى السنوات الثلاث او الأربع من اشتداد عوده ما يعني انه كان في حينها تحت السيطرة الامريكية تماما الأمر الذي كان يمثل الشرط الأساس لبقاء واستمرار الدعم الأمريكي له، تقول وزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلينتون في كتابها الذي اصدرته بعد خروجها من منصبها العام 2013 بعنوان (الخيارات الصعبة) إن واشنطن كانت في صيف العام 2013 على وشك أن تعلن اعترافها بدولة "سنية" تصم أجزاء من سورية والعراق قبيل أن تتراجع عن موقفها لاعتبارات عديدة ذكرتها مفصلة، فيما بعد ذلك التاريخ يمكن لحظ حالة الجفاء مابين داعش رأس حربة الإسلام السياسي وبين الأمريكان ولربما أضحت أمريكا مجبرة على محاربة داعش فوق أراضيه التي يسيطر عليها بدءا من نقل هذا الاخير حروبه من" اراضيه "الى الجغرافيتين الأمريكية والأوربية.
ما يضعف من الفاعلية الأمريكية في محاربة داعش عوامل عديدة لعل أبرزها أن العديد من الدول الاقليمية لايزال يستثمر في داعش لاعتبارات خاصة به ايضا اما لتحقيق مكاسب او بهدف شد عصب جبهة الداخل في مواجهة خصوم داخليين ولذا فإن من الجائز القول ان عوامل موت داعش الداخلية لا تتطابق مع العامل الخارجي الذي يبدو انه لايزال اكثر قوة وفاعلية من الداخل الذي بات يحمل مؤشرات الفناء .
كان تعاطي النسخة الجديدة من الإسلام السياسي التي اطلق عليها اسم داعش مع النص والتراث والمذاهب يبدو مختلفا عن جميع الحركات السياسية التي سبقته فهو اعطى الأولوية للاجتهاد ( لا للنص) الأمر الذي يشجع على حدوث الانقسامات وتشرذم التنظيم انطلاقا من تباين رؤى "المفتين" بحكم اختلاف البيئة والثقافة والمنبع، وعليه فإن بروز داعش في مسيرة الإسلام السياسي يمثل نهاية مسار وليس بداية له، وهو في الآن ذاته يمثل مؤشرا على دخول ذلك الإسلام مرحلة انحسار من شأنها أن تؤدي إلى وهن يستدعي الدخول في "الشرنقة" لحفظ الوجود فهذي الأخيرة تلجأ إليها الكائنات الحية عادة كوسيلة لحماية كيانها من الظروف المحيطة وتعب التحولات الداخلية التي تستدعي المرور بفترة راحة.

داعش.. جردة حساب
أرادت واشنطن تفجير المنطقة انطلاقاً من بغداد فغزتها سنة 2003، ثم أقامت فيها حكم بول بريمر الذي وضع دستوراً من المقدر له أن يظل لعقود طويلة سرطاناً متجذراً في الجسد العراقي، تلاه تأسيس سجن "بوكا" الذي اختص بمساجين اسلاميين وقيادات القاعدة حيث ستكون فترة السجن هنا بمثابة إعادة تأهيل ومن المؤكد أن تلك المهمة قد نجحت عبر الانقلاب الجذري الذي حصل إبانها، فقد كان تنظيم القاعدة يقول بوجوب محاربة الكفار الذين هم في الخارج (امريكا والغرب) في حين أن الوريث- ما بعد التأهيل- قال بمحاربة الكفار في الداخل (الاقليات الإسلامية وبقية الاديان)، لكن على الرغم من ذلك كان أبو مصعب الزرقاوي يرفض البقاء تحت السيطرة ما استوجب تصفيته وهو ما حدث في ايار من العام 2006 حيث سيشهد التنظيم حالة استكانة كبرى فيما بعد بالتزامن مع الدفع بظاهرة الصحوات نحو محاصرته الأمر الذي ادخل هذا الأخير في الثلاجة وهو ما كان يمثل آنذاك مطلبا أمريكياً أرادت من خلاله واشنطن حبس التنين في القمقم ريثما تحين ساعة استخدامه التي جاءت في مطلع العام 2011، لم يسعَ التنظيم على الفور منذ انطلاق "الربيع العربي" نحو خطوات تشير إلى حجم طموحاته إلا انه سعى منذ البداية إلى ممارسة العنف بأقصى درجاته بديلا للقوة في حال تغيبها أو عدم توفرها بالتزامن مع إثارة النعرات المذهبية والطائفية إلى حدود غير مسبوقة، فانطلقت فيديوهات الذبح الممنهجة ولربما كان النجاح الذي حققه داعش في الموصل التي اجتاحها في حزيران 2014 عبر قوة لا يزيد تعدادها عن /400/ مقاتل في الوقت الذي كان فيه عديد القوات المدافعة عن المدينة يزيد عن 12000 مقاتل خير دليل على نجاح الاستراتيجيات السابقة، فالخوف هنا حل محل القوة والرعب حل محل التسليح والجاهزية، دون أدنى شك كان التنظيم يتمتع بنظره ثاقبة لما يجري من حوله ولربما يجوز القول في هذا السياق انه (أي التنظيم) كان على الدوام يتمتع بقراءة دقيقه جداً بل وتفوق في دقتها قراءة الكثير من الدول أو الأنظمة في المنطقة، كانت محاولة التنظيم كسر حدود سايكس بيكو 1916 تبدو خطوة استباقية تستقرئ الدواخل الأمريكية التي كانت تسعى نحو نسف تلك الحدود لإعادة ترتيب أحجار الدومينو العربية التي ستكون عندها هشة بما يكفي لكي تكون عجينية سهلة القولبة، وهو ما عبرت عنه هيلاري كلينتون في "الخيارات الصعبه" التي نشرتها في العام 2013 أي بعد أن غادرت منصبها في الخارجية الامريكية عندما قالت: إن واشنطن كانت صيف هذا العام الأخير على وشك أن تعلن اعترافها بدولة اسلامية (سنيه) تضم أجزاء واسعة من سورية والعراق إلا أن تغير المناخات المحيطة فرض عليها تغيير سياساتها حيث سيمثل سقوط حكم الاخوان المسلمين في مصر 2013/7/3 حدثاً غير عادي سوف تكون له تداعياته في كامل المنطقة بالتأكيد وبمعنى اخر تسبب في سحب البساط من تحت أقدام المشروع الأمريكي الذي بات مفروضاً عليه أن يذهب باتجاه انعطافه تسير بعكس المسار السابق تماما، ومن الواضح ان التنظيم كان قد قرأ جيدا ومبكرا الانعطافة الامريكية تجاهه والتي جاءت في سياق رياح عاصفة سوف تهب على كيانه وقدراته بشكل خاص وهو ما حصل فعلا مطلع العام 2015 فصاعداً إلا أن هذا الأخير لم يكن بوارد التسليم أو الدخول في الشرنقة من جديد بأمر عمليات أمريكي أيضاً بعدما اعتبر أن "اللقمة قد وصلت إلى الفم"، ولربما كانت هذي الحالة الأخيرة هي التي أبعدت قراءته التي كان يرى من خلالها أنه (أي التنظيم) لم يكن سوى حالة احتياج أمريكية تماما كما كانت حركة طالبان في أواسط التسعينيات والتي كانت تمثل مخفرا قليل التكلفة بما لا يقاس يقوم بحراسة أنابيب النفط والغاز التي تمر بأفغانستان بدلا من حمايتها بجنود الناتو أو بالجنود الأمريكان ذوي التكاليف الباهظة على حد سواء.
كانت هزيمة داعش في دير الزور عبر كسر حصارها للجزء الشرقي للمدينه 2017/9/5 ذات خصوصية مميزة وطعم خاص لا يتوافر في انتصارات الرقة أو الموصل ولا بد هنا لكي نوضح تلك الخصوصية أن نعترف أن البيئة المحيطة بداعش في دير الزور كانت تمثل بيئة حاضنة بامتياز وأراضيه مناسبة لتمدد واستمرار التنظيم بعضها كان لأسباب "عقائديه" وهي قليلة وبعضها كان لأسباب "نفعية أو حياتية" أرخت بظلالها الثقيلة على التركيبه المجتمعية للمدينة لاعتبارات عديدة لا مجال لذكرها الآن .
في 2017/8/25 عندما كانت المعارك على أشدها في دير الزور حطت حوامات امريكية في عمق المدينة وقد قامت بإخلاء قيادات داعشية ممن ينتمون إلى جنسيات امريكية وبريطانية وللأمر دلالاته وهو يعتبر رسالة واضحة مفادها أن "اللعبه قد انتهت" كما يقال ولذا وانطلاقاً من هذا الأمر الأخير فقد كانت حالة الاحتياج الامريكية في تلك اللحظة تكمن في المحافظه على "الخميرة" الداعشية التي ستستخدم في انضاج عجين آخر لاحقاً هو على الأرجح عجين الخليج الذي ما انفكت تحاول دراسة مكوناته وكيفية التعاطي معها منذ وقت ليس بالقصير .
في التقويم الايديولوجي او المنهجي -الفكري يمثل بروز داعش حالة استعصاء قصوى أو بمعنى آخر يشير إلى دخول الفكر السياسي الإسلامي في مأزق فكري معرفي لا حلول بادية له في الآفاق ولذا فقد كان التطرف وسيلة لإثبات الذات كما أن ممارسة العنف في حدوده القصوى حتى ما بعد مرحلة الموت يشير إلى خلل كبير في البنيان الذي يسود أغلب التنظيمات السياسية الاسلامية فحالة تفجير النفس التي شهدناها مرارا تخفي وراءها حالة نكران للذات بصوره مدمرة وهي تتنافى تماما مع حالة البناء والاستمرار اللتان يسعى إليهما أي كيان على اختلاف مشاربه، وما سبق كان كفيلاً بالحكم على ظاهرة داعش بالموت شأنها في ذالك شأن ظاهرة (بول بوت) الزعيم اليساري المتطرف للخمير الحمر في كمبوديا الذي قتل ما بين العامين 1975_1979 ما يزيد على /400/ ألف من مواطنيه وهو يردد: كل ذالك لأجل انتصار الماركسية وكأنه لم يكن يعلم أن الإنسان البسيط الذي هو في النهاية غاية الغايات لأي فكر سياسي أو تنظيم أو حزب لا يهمه من الماركسية سوى ما يلمسه منها بيديه وفيما عدا ذالك يعتبر بالنسبة إليه إضافات لا تدخل في حيز اهتماماته. 

الكاتب : عبد المنعم علي عيسى / رقم العدد : 769

غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية.

سعاده

مساحة حرة
لو دققنا النظر في تجربة الثورتين التونسية والمصرية من حيث هما ثورتان نجحتا في القضاء على الحاكم المستبد، لتبين لنا أن ما تبقى عليهما إنجازه أكثر بكثير مما أنجزتاه حتى الآن.
رفة جناح
كلما بدأ الحديث عن "النص البديل"، حضرت في الذهن مباشرة عبارة "الطاقة البديلة" التي تزين واجهات محلات الكهرباء بكثرة في هذه المرحلة بسبب الشحّ الكبير في التيار!.
كاريكاتير
عداد الزوار